U3F1ZWV6ZTc1NDI4ODE4NTkzNTZfRnJlZTQ3NTg3MDIxMTYxNTY=

وقفه مع أبو سفيان بن حرب " الجزء الخامس " / الأهرام نيوز

وقفه مع أبو سفيان بن حرب " الجزء الخامس "

 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى


ونكمل الجزء الخامس مع الصحابى أبو سفيان بن حرب، فهذا هو أبو سفيان الذي كان زعيم البيت الأموي منذ فترة مبكرة من حياته عُرف بمشاركته في الرحلات والقوافل التجارية، وبأسفاره إلى بلاد الشام والعراق وبلاد فارس، وذكرت روايات أنه التقى بملوك البيزنطيين والفرس في بعض الأحيان، فكانت مكانة أبي سفيان، وزعامته لبني أمية، فضلا عن ثرائه الواسع، كانت كلها عوامل اشتركت مع بعضها البعض في تنصيبه كواحد من قادة الطبقة الأرستقراطية الأكثر تأثيرا على مسرح الأحداث السياسية في مكة، وكان بعد هجرة المسلمين إلى يثرب، كان أبو سفيان لاعبا رئيسا في الحشد ضد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الذي أرسل مستغيثا إلى زعماء قريش، بعدما عرف بنيّة المسلمين مهاجمة قافلته، في حادثة تسببت بنشوب معركة بدر في العام الثاني من الهجرة، وهو أيضا الذي قاد الجموع المغيرة على يثرب في معركتي أحد. 


والخندق بعدما سقط أبرز قادة قريش من أمثال عمرو بن هشام وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، ليبقى وحيدا في مواجهة المد الإسلامى، ولقد كان هناك تغيّر فى سياسة أبي سفيان تجاه المسلمين بعد ما وقع من إغارة بني بكر، وهم حلفاء قريش، على خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي كان من شأنه نقض صلح الحديبية الذي أبرم بين الفريقين في العام السادس للهجرة، إذ حاول أبو سفيان تدارك الوضع، فزار يثرب وحاول الإبقاء على الهدنة، ولكنه فشل في مسعاه فعاد إلى مكة خائبا، وفي العام الثامن للهجرة، أثناء فتح مكة، تحوّل أبو سفيان للإسلام، بعد وساطة من جانب العباس بن عبد المطلب، واشترك مع المسلمين بعدها في غزوتي حنين والطائف، وقيل إن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولاه على نجران، وإنه بقي واليا عليها حتى توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، في العام الحادي عشر للهجرة.


وقيل أن أبا سفيان حسد الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد فتح مكة لمّا رأى كثرة المقدمين عليه " فقال بينه وبين نفسه، لو عاودت هذا الرجل" فضرب الرسول صلى الله عليه وسلم، صدره وقال "إذا يخزيك الله، إذا يخزيك الله" فتاب أبو سفيان واستغفر الله وأظهر الندم على ما قال، وفي خلافة عثمان بن عفان قيل أن أبا سفيان دخل على الخليفة ومعه مجموعة من رجال بني أمية، فقال لهم "يا بني عبد مناف تلقفوها تلقف الكرة، فما هناك جنة ولا نار" وقيل أن أبا سفيان لمّا عرف باستخلاف أبي بكر الصديق، قدم إلى العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، ودعاهما للخروج على أبي بكر، وإلى استخلاف أحدهما بدلا منه، ويذكر الطبري أن أبا سفيان قال لعلي بن أبى طالب وقتها "ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش، والله لئن شئت لاملأنها عليه خيلا ورجالا" ولكن الإمام علي بن أبى طالب رد عليه قائلا "إنك والله ما أردت بهذه إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شرا، لا حاجة لنا فى نصيحتك" 


ولقد استطاع هذا الجيل العظيم وفي سنين معدودة نشر دين الله في مشارق الأرض ومغاربها، وفي ظاهرة لا تزال تحير المؤرخين إلى يومنا هذا، ولقد استطاع ذلك الجيل العظيم من البشر تدمير قلاع الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية في وقت متزامن، فأصبح جيل الصحابة ومن دون أي مبالغة أعظم جيل كامل خلقه الله على الأرض، وعندما أقول جيل كامل لا أقصد شخصا أو شخصين منهم، بل أقصد كل الصحابة الكرام من دون أي استثناء، أي ما يزيد عن المائة ألف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل الصحابة ومن دون أي استثناء عدول عند الله عز وجل، فهو الذي اختارهم فردا فردا ليكونوا أصحابا لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، فاحذر الطعن في أي صحابي أو ذكره بسوء على الإطلاق، ليس خوفا عليه منك أو من لسانك، فهم عند الله الذي أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، بل خوفا عليك أنت. 


من أن تصل إلى مرحلة الكفر التي قد تخلدك في النار إلى الأبد، فإذا استيقظت يوفا من نومك وكان في قلبك مثقال ذرة من الغيظ لأحد أصحاب النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنك ممن ينطبق عليهم قول الله عز وجل " ليغيظ بهم الكفار" وهذا لا يعني أبدا أن الصحابة معصومون من الخطأ، ولكن الصحابة كانوا بشرا كباقي البشر، يخطئون ويصيبون، غير أنهم كانوا أقرب البشر بعد الأنبياء إلى مرحلة الكمال الإنساني، ولقد قدم الصحابى الجليل أبو سفيان بن حرب رضى الله عنه، شيئا غاليا للإسلام، فلقد قدم هذا الرجل عينيه الاثنتين في سبيل الله، الأولى في حُنين، عندما كان يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعين الثانية في اليرموك،عندما أوكل إليه خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه مهمة نشر روح الجهاد بين الجنود، فكان أبو سفيان رضي الله عنه وأرضاه يمشي هو وامرأته الصحابية الجليلة. 


هند بنت عتبة رضي الله عنها يحمسان الجنود، فضاق الروم ذرعا بهذا الشيخ الذي يحمس شباب المسلمين بكلماته التي تخرج من قلبه لتحولهم إلى سهامٍ مشتعلة تحرق جحافلهم، فصوّبوا نبالهم نحوه ليصيبوا عينه الثانية بسهم فقأها، فسالت الدماء شلالا من عين أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه، فأصبح أعمى البصر بشكل كلي، إلا أن هذا الشيخ البطل استجمع قواه وربط عينيه بلفافة بيضاء قبل أن تصبح حمراء من لون الدماء التي سالت من عينه، ليمشي هذا العملاق الإسلامي بين كتائب المسلمين يذكرهم بالجنة ويدعوهم إلى الثبات، عندها انطلقت كتائب التوحيد الإسلامية لتقتحم صفوف الأعداء وتزلزل حصونهم، وفي معمعة المعركة سمع المسلمون أبا سفيان رضي الله عنه وأرضاه ينادي بصوت هز أرجاء وادي اليرموك وكأن هذا الشيخ الأعمى يرى ببصيرته شيئا لا يراه المبصرون بأعينهم وهو يردد بصوت ملؤه الإيمان بالله يا نصر الله اقترب.


يا نصر الله اقترب، يا نصر الله اقترب وفعلا جاء نصر الله فقد استطاع رجل من المسلمين اقتحام قلب الجيش الروماني الضخم، وبضربة سيف واحدة من يمينه قطع رأس باهان وزير حربية الإمبراطورية الرومانية، ثم نادى بصوت عالي الله أكبر، فتعالت صيحات المسلمين بالتكبير، فألقى الله الرعب في قلوب الرومان وصيحات الله أكبر تطاردهم، فرجعوا القهقرة أمام تقدم كتائب التوحيد الإسلامية، فألقوا بأنفسهم من واد سحيق يسمى بوادى الواقوصة، فقتل في يوم واحد مائة وعشرون ألف رومي، وانتصر المسلمون في معركة اليرموك الخالدة على قوات بيزنطة المتحالفة التي قدمت من مختلف أصقاع تلك الإمبراطورية الكبيرة، وبانتصار المسلمين في اليرموك انهارت القوة الرومانية فعليا، وأصبحت الشام دارا للإسلام، وتحققت نبوؤة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه وأرضاه بنصر الله، واختلطت دموع عينيه بدمائها، فكان هذا هو الصحابى الجليل أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي.


***********************


***********************

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة